الطبراني

342

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قوله تعالى اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ؛ وذلك لمّا نزلت هذه الآية التي قبل هذه أتى المنافقون إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا : يا رسول اللّه استغفر لنا ، فكان عليه السّلام يستغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير علم منه بنفاقهم ، وكان إذا مات أحد منهم يسألون رسول اللّه الدّعاء والاستغفار لميّتهم ، فكان يستغفر لهم على أنّهم مسلمون ، فأعلمه اللّه بأنّهم منافقون ، وأخبر أنّ استغفار النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لا ينفعهم ، فذلك قوله : ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) وهذه اللفظة لفظة الأمر ، ومعناه الخبر ؛ أي إن شئت استغفرت لهم ، وإن شئت لا تستغفر ، فإنّك إن استغفرت لهم سبعين مرّة لن يغفر اللّه . قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ؛ في بيان العلّة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . قوله تعالى : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 80 ) ؛ أي لا يوفّقهم ولا يرشدهم إلى جنّته وثوابه وكرامته ، وأما تخصيص ( سبعين مرّة ) بالذكر فهو لتأكيد نفي المغفرة بهذا ؛ لأن الشيء إذا بولغ في وصفه أكّد بالسّبع والسبعين ، وهذه كما يقول القائل : لو سألتني حاجتك سبعين مرّة لم أقضها ، لا يريد أنه إذا أزاد على السّبعين قضى حاجته ، وروي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : [ لو علمت أنّي لو زدت على السّبعين لغفر لهم لزدت عليها ] « 1 » . قوله تعالى : فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ؛ أي فرح المخلّفون عن غزوة تبوك بقعودهم لمخالفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل بقعودهم عن الجهاد بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقرأ عمرو بن ميمون ( خلف رسول اللّه ) والمخلّف ما يترك الإنسان خلفه ، والمتخلّف الذي يتأخّر بنفسه ، والخلاف قد يكون بمعنى المخالفة ، وقد يكون بمعنى خلف ، كما في قوله تعالى : وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا « 2 » ، ويقرأ خلافك على المعنيين . قوله تعالى : وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؛ أي كرهوا أن يقاتلوا المشركين مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأموالهم وأنفسهم .

--> ( 1 ) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير : الحديث ( 10507 ) . ( 2 ) الاسراء / 76 .